انتخابات 23 شتنبر 2026 وضعها تيار «اليسار الجديد المتجدد» تحت مجهر قراءة سياسية شديدة اللهجة، بعدما اعتبر أن الحدث الأبرز الذي أفرزه الاقتراع لم يكن الحزب الذي تصدر النتائج ولا توزيع المقاعد داخل مجلس النواب، وإنما بقاء أغلبية المسجلين في اللوائح الانتخابية خارج صناديق الاقتراع.
وفي بيان مؤرخ في 28 شتنبر، حمل عنوان «تمخض الجبل فوضع فأراً»، وصف التيار البرلمان المنبثق عن الانتخابات بأنه «برلمان بلا قاعدة شعبية»، واعتبر العملية الانتخابية «فاقدة للجدوى»، مقدماً العزوف باعتباره، وفق قراءته السياسية، مؤشراً على أزمة أوسع في الثقة والمشاركة.
ويأتي هذا الموقف من تيار كان قد أعلن، قبل يومين من الاقتراع، مقاطعته انتخابات 23 شتنبر وعدم تقديم أي ترشيح أو دعم أي لائحة، مبرراً قراره آنذاك بموقفه من شروط الاستحقاق وطبيعة المؤسسات المنتخبة.
أما الأرقام الرسمية، فتظهر أن نسبة المشاركة النهائية المعلنة بلغت 38.08 في المائة على الصعيد الوطني، بعد مشاركة نحو ستة ملايين ناخبة وناخب من هيئة انتخابية تضم حوالي 15.8 مليون مسجل. وأكدت وزارة الداخلية لاحقاً أن النتائج النهائية طابقت تماماً النتائج العامة المؤقتة المعلنة عقب الاقتراع.
المصدر الرسمي | النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر 2026
وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وبذلك جمعت الأحزاب الأربعة الأولى 282 مقعداً من أصل 395، أي حوالي 71.4 في المائة من مجموع مقاعد مجلس النواب.
انتخابات 23 شتنبر 2026.. العزوف في قلب قراءة «اليسار الجديد»
يعتبر «اليسار الجديد المتجدد» أن التركيز على توزيع المقاعد يخفي، بحسب تحليله، الإشارة السياسية الأهم التي خرجت بها انتخابات 23 شتنبر 2026، وهي أن أقل من أربعة مسجلين من كل عشرة شاركوا في التصويت.
وقال البيان إن «العزوف هو الحدث الأبرز»، معتبراً أن بقاء أكثر من ستة مسجلين من كل عشرة خارج عملية التصويت يتجاوز، في نظره، كونه رقماً انتخابياً، ليطرح سؤال الثقة في المؤسسات وجدوى المشاركة السياسية.
هذه القراءة تلتقي جزئياً مع ملاحظات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن انخفاض المشاركة، إذ وضعت رئيسة المجلس آمنة بوعياش رهانات الثقة والمشاركة في صلب الخلاصات الأولية للمؤسسة حول الاستحقاق، فيما أكد المجلس أن ملاحظته اعتمدت على شبكة تضم 783 ملاحظاً وملاحظة.
وكانت اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظي الانتخابات قد اعتمدت، قبل الاقتراع، ما مجموعه 3006 ملاحظين وملاحظات، بينهم 783 تابعون للمجلس الوطني لحقوق الإنسان و2023 يمثلون جمعيات مغربية، إلى جانب وفود وهيئات ومنظمات دولية.
المصدر الرسمي | خلاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان
لكن بيان «اليسار الجديد المتجدد» يذهب أبعد من مجرد تسجيل انخفاض المشاركة، إذ يقدم توصيفاً سياسياً لبنية النظام والمؤسسات ولحدود الانتخابات في تغيير موازين السلطة، ويعتبر أن الاستحقاق يؤدي، وفق موقفه، إلى إعادة تدوير النخب أكثر مما يقود إلى تغيير سياسي واجتماعي جوهري.
ويظل هذا التوصيف موقفاً سياسياً خاصاً بالتيار، ولا يمثل خلاصة رسمية صادرة عن هيئة مستقلة لملاحظة الانتخابات. فبعثة المنظمة الدولية للفرنكوفونية، على سبيل المثال، قدمت تقييماً عاماً إيجابياً لسير الاقتراع، مع تسجيلها في الوقت نفسه ملاحظات تتعلق بالقاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر ومشاركة الشباب.
اقرأ أيضاً | «لا يحظيان بالإجماع».. بعثة الفرنكوفونية تضع القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر تحت المجهر
282 مقعداً وسؤال «القاعدة الشعبية»
أحد أكثر مقاطع البيان حدة يتعلق بالعلاقة بين حجم التمثيل البرلماني ونسبة المشاركة.
ففي الوقت الذي حصلت فيه الأحزاب الأربعة الأولى على 282 مقعداً، يرى التيار أن هذا التركيز الكبير للمقاعد لا يعني بالضرورة، وفق تحليله، وجود قاعدة شعبية موازية في الحجم، مستنداً إلى نسبة المشاركة وعدد المسجلين الذين لم يصوتوا.
ومن هنا استعمل البيان عبارة «برلمان بلا قاعدة شعبية»، وهي عبارة تعكس موقف أصحابه من شرعية التمثيل السياسي ولا تعني، من الناحية القانونية، انتفاء شرعية البرلمان المنتخب وفق المساطر الدستورية والقانونية الجاري بها العمل.
وتتقاطع مسألة العزوف مع نقاش سياسي أوسع ظهر بعد الانتخابات، وتناوله عدد من الفاعلين والباحثين من زوايا مختلفة، مع اختلاف واضح في الاستنتاجات السياسية التي يستخلصها كل طرف من النسبة المسجلة.
اقرأ أيضاً | بنهادي: الأحزاب في يد الأعيان وسؤال الشرعية يلاحق البرلمان
المال الانتخابي والممتلكات العمومية.. ماذا سجل الملاحظون؟
بيان التيار لم يحصر انتقاداته في المشاركة، بل استند كذلك إلى معطيات صادرة عن هيئات للملاحظة المدنية بشأن ممارسات رُصدت خلال الحملة ويوم الاقتراع.
وأعلن النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات، في خلاصاته الأولية، تسجيل 59 حالة اشتباه في استعمال المال أو الرشوة لاستمالة الناخبين، إلى جانب 53 حالة لاستعمال ممتلكات عمومية لفائدة مرشح أو حزب سياسي خلال الحملة.
كما سجل حالات لمنع ملاحظين من دخول مكاتب تصويت وملاحظات تتعلق بتوجيه ناخبين.
ولا تمثل هذه الأرقام أحكاماً قضائية بإثبات الرشوة أو المخالفات في كل حالة، بل معطيات أولية صادرة عن عملية ملاحظة مدنية، في انتظار التقارير النهائية وما قد يترتب عن الوقائع المحالة على الجهات القضائية المختصة.
في المقابل، خلص المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى أن يوم الاقتراع مر في «أجواء قد تكون عادية»، مع استثناء واقعتين داخل مكتبين بمدرسة القدس في طنجة قال إنهما مستا بنزاهة الاقتراع على مستوى المكتبين، مؤكداً أنه سيحيل تقريراً بشأنهما على النيابة العامة.
طنجة في قلب البيان.. والبحث القضائي لم يقل كلمته الأخيرة
اختار «اليسار الجديد المتجدد» واقعة طنجة باعتبارها، وفق تعبيره، مثالاً على الاختلالات التي يستند إليها في تقييمه السياسي للانتخابات.
لكن المعطيات الرسمية المنشورة تفرض الفصل بين موقف التيار وبين ما أثبتته الأبحاث إلى حدود الآن.
فقد أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة أن الأبحاث الأولية بشأن ضبط شخص بحوزته حقيبة تضم أوراقاً انتخابية أسفرت عن توقيف خمسة مشتبه فيهم، بينهم رئيسا مكتبين للتصويت ونائباهما وشخص خامس.
وأفادت النيابة العامة بأن الأبحاث الأولية أظهرت أن الشخص الذي ضبط بالحقيبة كان نائب رئيس مكتب للتصويت، وأن التحقيق يشمل الاشتباه في أفعال مرتبطة بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيها، مع إحالة الملف على قاضي التحقيق.
وزارة الداخلية دخلت بدورها على خط الملف يوم 28 شتنبر، بعدما أعلنت إيفاد لجنة تفتيش مركزية إلى طنجة للتحري في «الخروقات التي شابت العملية الانتخابية بمكتبين للتصويت» بالدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة، مع تأكيد ترتيب الإجراءات والمسؤوليات الإدارية على ضوء نتائج البحث.
أما سياسياً، فقد انتقل موقف حزب الأصالة والمعاصرة من رفض الربط المبكر بينه وبين الواقعة والدعوة إلى التحقيق، إلى إعلان قيادته يوم 28 شتنبر استعدادها لترتيب المسؤوليات التنظيمية والسياسية إذا أثبتت نتائج الأبحاث القضائية والإدارية وجود صلة لأي عضو أو مسؤول حزبي بالوقائع موضوع التحقيق.
وبالتالي، فإن تحويل واقعة المكتبين إلى دليل على خلل وطني شامل في انتخابات 23 شتنبر يبقى استنتاجاً سياسياً للتيار، بينما تظل المسؤوليات الجنائية والإدارية الفردية مرتبطة بما ستنتهي إليه التحقيقات والمساطر المختصة.
«يسار المقاعد».. معركة داخل اليسار نفسه
البيان لم يوجه انتقاداته إلى الأحزاب المتصدرة للنتائج أو إلى شروط العملية الانتخابية وحدها، بل خصص جزءاً منها لأحزاب اليسار التي اختارت المشاركة في الاقتراع.
واستعمل التيار تعبير «يسار المقاعد»، معتبراً أن المشاركة الانتخابية لم تمكن هذه القوى، بحسب تقديره، من توسيع قاعدتها الاجتماعية أو تحويل الانتخابات إلى مدخل لإحداث تغيير ديمقراطي أعمق.
كما انتقد ما يراه ضعفاً في الديمقراطية الداخلية وابتعاداً عن الحركات الاجتماعية وغياباً لمشروع مجتمعي قادر على استعادة ثقة الفئات التي يفترض، وفق تصوره، أن يشكل اليسار تعبيراً سياسياً عنها.
وتكشف هذه الفقرة أن بيان 28 شتنبر لا يفتح مواجهة مع نتائج انتخابات 23 شتنبر فقط، وإنما يعيد كذلك إلى الواجهة خلافاً قديماً داخل اليسار المغربي بين تيار يراهن على المشاركة والعمل من داخل المؤسسات، وتوجه يرى أن أزمة التمثيل السياسي أعمق من عدد المقاعد المحصل عليها.
من نقد الانتخابات إلى الدعوة لإعادة بناء اليسار
ينتهي بيان «اليسار الجديد المتجدد» إلى نقل النقاش من تقييم انتخابات 23 شتنبر 2026 إلى سؤال مستقبل اليسار نفسه.
فالتنسيقية تعتبر أن الانتخابات، في ظل ما تصفه باختلال موازين القوى السياسية والاجتماعية، لا تكفي بمفردها لإنتاج تغيير حقيقي، وتدعو إلى إصلاح سياسي وديمقراطي وتعزيز فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تدعو إلى إعادة بناء أدوات اليسار وخطابه وتنظيمه السياسي، والانخراط بصورة أوسع في الحركات والقضايا الاجتماعية، وصولاً إلى ما تسميه «مشروعاً يسارياً ديمقراطياً واجتماعياً بديلاً».
وبذلك، تصبح انتخابات 23 شتنبر 2026 في قراءة هذا التيار أبعد من مجرد سباق انتهى بتوزيع 395 مقعداً.
النتيجة القانونية حُسمت وأكدت وزارة الداخلية مطابقة النتائج النهائية للمؤقتة، لكن الجدل السياسي حول نسبة المشاركة البالغة 38.08 في المائة، وحدود التمثيل، وشروط المنافسة، ومستقبل العمل الحزبي، يبدو مرشحاً للاستمرار بعد إغلاق صناديق الاقتراع.


