رقمنة رخص البناء بالمغرب تدخل مرحلة جديدة من النقاش، بعدما وضعت دراسة علمية دولية منشورة اليوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 المملكة ضمن مقارنة لأنظمة الترخيص في شمال إفريقيا، لتخلص إلى مفارقة واضحة: المغرب قطع خطوات في تحويل مساطر الرخص إلى خدمات إلكترونية، لكن نمذجة معلومات البناء «BIM» لم تتحول بعد، وفق تقييم الباحثين، إلى جزء مؤسساتي من منظومة منح الرخص.
الدراسة، المنشورة لأول مرة على منصة Springer Nature بتاريخ 29 شتنبر، تحمل عنوان «BIM-AI Permitting Framework for the Construction Industry in North Africa»، وأنجزها الباحثان مولود مسعودي ونواري نواري ضمن أعمال المؤتمر الدولي للرخص الرقمية للبناء.
ورغم أن التطبيق الرئيسي للبحث يركز على الجزائر، فقد خصص الباحثان جزءاً مستقلاً لمقارنة وضع BIM والرخص الرقمية بين عدد من بلدان شمال إفريقيا، بينها المغرب ومصر وتونس.
المصدر العلمي | Springer Nature – BIM-AI Permitting Framework for the Construction Industry in North Africa
الخلاصة الخاصة بالمغرب دقيقة: الدراسة تصف مستوى اعتماد BIM في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية بأنه «متوسط»، لكنها تشير إلى غياب إلزام حكومي رسمي باستعمال التقنية، وتعتبر أن مساطر الترخيص مرقمنة جزئياً بينما لم يصبح BIM بعد مكوناً مؤسساتياً داخل نظام الرخص.
وهذا تقييم أكاديمي للباحثين، وليس تقرير افتحاص رسمياً للحكومة المغربية أو حكماً بأن التقنية غير مستعملة نهائياً في أي مشروع عمومي أو خاص.
ويكشف هذا التمييز الفرق بين مستويين من التحول الرقمي، الأول هو تحويل مسار الملف الإداري من الوثائق الورقية إلى منصة إلكترونية تسمح بإيداع الطلب وتتبع معالجته والتوقيع عليه وإصدار القرار رقمياً.
أما المستوى الثاني، الذي تركز عليه الدراسة، فيتعلق برقمنة محتوى المشروع الهندسي نفسه وتحويله إلى نموذج قابل للقراءة والمعالجة الآلية.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن المغرب تجاوز فعلاً مرحلة الاعتماد الكلي على المساطر الورقية. فاللجنة الوطنية لمناخ الأعمال توضح أن وزارة الداخلية أطلقت منذ يوليوز 2019 منصة «Rokhas.ma» الموحدة على المستوى الوطني، لمعالجة طلبات التراخيص التي تصدرها الجماعات الترابية والسلطات المحلية، وتشمل رخص البناء والسكن وشهادات المطابقة، مع معالجة وتوقيع إلكتروني للوثائق عبر مراحل المسطرة.
المصدر الرسمي | اللجنة الوطنية لمناخ الأعمال – رقمنة تراخيص التعمير
رقمنة رخص البناء بالمغرب.. أين تبدأ فجوة BIM؟
تقنية «BIM»، أو نمذجة معلومات البناء، لا تختزل في رسم ثلاثي الأبعاد للمشروع. فهي تقوم على نموذج رقمي منظم يتضمن معلومات هندسية وتقنية مرتبطة بعناصر المبنى، ويمكن، عند ربطه بقواعد قابلة للمعالجة الحاسوبية وأنظمة ذكاء اصطناعي، استخدامه في مراجعة مدى احترام المشروع لبعض المتطلبات التنظيمية.
وتشير الدراسة إلى أن أنظمة المراجعة الآلية للتصاميم تُستخدم دولياً في فحص جوانب من قبيل السلامة من الحرائق، والنجاعة الطاقية، والولوجيات، ومعايير البناء المستدام. والانتقال الذي يقترحه الباحثان هو من منصة تستقبل ملفاً رقمياً إلى نظام يستطيع قراءة النموذج نفسه ومقارنة بياناته تلقائياً بالقواعد التنظيمية.
وهنا تكتسب بيانات البنك الدولي أهمية خاصة، لأنها تسمح بقياس ما حققه المغرب بالفعل في المرحلة الأولى من الرقمنة.
ففي بطاقة المغرب ضمن تقرير «Business Ready 2025»، حصلت المملكة على 6 نقاط من أصل 8 في مؤشر الخدمات الرقمية الخاصة برخص البناء.
وسجل البنك الدولي العلامة الكاملة في وجود منصة إلكترونية لإصدار التراخيص، وتوفر النظام على وظائف رقمية متعددة، وإمكانية الحصول إلكترونياً على رخص البناء والسكن، بينما حصل المغرب على صفر من نقطتين في إمكانية تقديم طعن إلكتروني بشأن قرارات رخص البناء.
المصدر الرسمي | البنك الدولي – Business Ready 2025: Morocco
وتظهر فجوة أخرى عندما ينتقل القياس من وجود الخدمة الرقمية إلى قدرة الأنظمة المختلفة على التواصل وتبادل البيانات. فقد حصل المغرب على 5 نقاط من أصل 10 في التشغيل البيني للخدمات المرتبطة برخص البناء.
وسجل البنك الدولي حصول المملكة على خمس نقاط كاملة في إدماج أنظمة المعلومات الجغرافية أو المنصات المكانية الوطنية، مقابل صفر في المؤشر المتعلق بإتاحة المخططات المجالية ومتطلبات تقسيم المناطق لجميع الأطراف المعنية.
هذه الأرقام لا تعني أن نظام رخص البناء المغربي غير رقمي. العكس هو الأقرب إلى المعطيات المتاحة: البنية الرقمية موجودة، والمنصة الوطنية موجودة، وعدد من مراحل الحصول على الرخص يمكن إنجازه إلكترونياً.
لكن النقاش ينتقل اليوم إلى مستوى مختلف: هل أصبحت البيانات الهندسية والمجالية والتنظيمية مترابطة بصورة تسمح للأنظمة بفحص المشروع نفسه آلياً؟
وكان MarocActu24 قد تابع ورش التحول الرقمي الأوسع بالمغرب، بعدما وافق البنك الدولي على تمويلات جديدة بقيمة إجمالية تبلغ 650 مليون دولار، يتضمن أحد محاورها دعم التحول الرقمي وتطوير الخدمات العمومية.
اقرأ أيضاً | البنك الدولي يضخ 650 مليون دولار لدعم الرقمنة ومواجهة مخاطر المناخ بالمغرب
كما سبق للموقع أن توقف عند مثال آخر يوضح أن وجود المنصة التقنية لا يعني بالضرورة اكتمال استخدامها المؤسساتي، بعدما سجل البنك الدولي أن منصة لتتبع برامج التنمية الجهوية كانت موجودة وتعمل تقنياً، في وقت لم تكن الجهات قد شرعت بعد في استخدامها وفق آخر قياس منشور للبرنامج المعني.
اقرأ أيضاً | تقارير الاستثمار الجهوي.. 0 منشورة مقابل هدف بـ6 ومنصة التتبع لا تستخدمها الجهات بعد
المقارنة التي تقدمها الدراسة بين دول شمال إفريقيا تضع المغرب في موقع وسط، فالباحثان يعتبران مصر الأكثر تقدماً إقليمياً في اعتماد BIM، مع فرضه في بعض مشاريع البنية التحتية الكبرى والتحرك باتجاه معايير وطنية، وإن ظل ربطه المباشر بنظام الرخص جزئياً.
أما تونس، فتضعها الدراسة في مرحلة مبكرة يتركز فيها استعمال BIM أساساً في المجال الأكاديمي ومن دون اتصال مباشر بمسارات الترخيص.
وبالنسبة إلى المغرب، يرصد الباحثان حضوراً للتقنية في القطاع الخاص والجامعة، بالتوازي مع رقمنة جزء مهم من مسار الرخص، لكن من دون انتقال BIM بعد إلى قاعدة رسمية ومؤسساتية داخل منظومة الترخيص.
وهذا التفصيل أساسي، لأن المعطيات لا تسمح بالقول إن رقمنة رخص البناء بالمغرب فشلت أو ما تزال في بدايتها.
ما يظهر هو أن المرحلة الأولى قطعت مسافة معتبرة، فيما تفتح الدراسة النقاش بشأن مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب معايير BIM وطنية، وقواعد تنظيمية قابلة للمعالجة آلياً، وتوافقاً بين أنظمة التعمير والخرائط والبيانات الهندسية ومنصات الترخيص.
وبذلك يصبح السؤال الذي تطرحه رقمنة رخص البناء بالمغرب مختلفاً: بعد أن انتقل جزء كبير من طريق وصول الملف إلى الإدارة نحو المنصة الرقمية، متى تنتقل الرقمنة إلى داخل الملف الهندسي نفسه، بحيث يصبح التصميم والقواعد التنظيمية قابلين للفحص الآلي قبل صدور الرخصة؟


