عاد لقاء 21 غشت بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة الجدل الدبلوماسي، بعدما كشفت النشرة الرسمية للكونغرس الإسباني، المنشورة يوم 21 شتنبر 2026، عن خمسة أسئلة برلمانية جديدة تطالب حكومة بيدرو سانشيز بالكشف عن تفاصيل الاجتماع الذي جرى بوزارة الخارجية الإسبانية مع التمثيلية الدبلوماسية المغربية على خلفية الجدل بشأن سبتة ومليلية.
وتحمل الأسئلة الأرقام من 184/043457 إلى 184/043461، وتقدم بها النائب ألبرتو كاتالان هيغيراس، وتطلب تحديد وسيلة توجيه الدعوة، ومكان انعقاد الاجتماع، وهوية المشاركين فيه، والمضمون الذي نقلته مدريد إلى الجانب المغربي، ثم سبب عدم إعلان الحكومة الإسبانية عن اللقاء وقت انعقاده.
المصدر الرسمي | الكونغرس الإسباني – النشرة الرسمية ليوم 21 شتنبر 2026
وتكتسب القضية أهمية إضافية بسبب الاختلاف الذي ظهر لاحقاً بشأن هوية من حضر اللقاء. فقد أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال جلسة الكونغرس يوم 3 شتنبر، أن حكومته استدعت السفيرة المغربية يوم 21 غشت للاحتجاج على تصريحات وصفها بـ«غير المقبولة» بشأن سبتة ومليلية.
لكن وزارة الخارجية الإسبانية أوضحت بعد ذلك أن السفيرة كريمة بنيعيش لم تكن موجودة في إسبانيا في ذلك التاريخ، وأن من حضر فعلياً إلى مقر الوزارة كان القائم بالأعمال بالسفارة المغربية، الذي كان يمثل البعثة في غياب السفيرة.
المصدر | التصريح الرسمي لبيدرو سانشيز أمام الكونغرس
وهنا ينتقل النقاش من سؤال «من حضر؟» إلى نقطة أخرى تهم الرأي العام المغربي: ماذا قال ممثل المغرب خلال الاجتماع؟ وما الرد الذي قدمته الرباط على الاحتجاج الإسباني؟
فالمعطيات المنشورة حتى الآن تتيح معرفة جزء مهم من الرواية الإسبانية: مدريد أرادت التعبير عن رفضها للمواقف المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية، والتمثيلية المغربية استجابت للاستدعاء عبر القائم بالأعمال في غياب السفيرة.
لكن، إلى حدود المصادر الرسمية المفتوحة التي تمت مراجعتها، لا يظهر بيان مغربي مفصل يشرح مضمون الرد الذي قدمه ممثل المملكة داخل لقاء 21 غشت بين المغرب وإسبانيا.
وهذا لا يسمح بالاستنتاج أن المغرب لم يقدم رداً خلال الاجتماع، فالغياب عن المجال العام لا يعني غياب الموقف داخل القناة الدبلوماسية.
لكنه يعني أن مضمون ذلك الرد، إن وُجد، لم يُنشر بالتفصيل أمام الرأي العام ضمن المصادر الرسمية المفتوحة التي أمكن التحقق منها.
اقرأ أيضاً | سانشيز أمام البرلمان: الدرك المغربي سمح بالعبور 10 ساعات.. ومدريد تحقق هل كان «عجزاً أم عدم تحرك»
لقاء 21 غشت بين المغرب وإسبانيا.. أين ينتهي حق المعلومة وتبدأ السرية الدبلوماسية؟
لا يعني طرح السؤال المطالبة بنشر محاضر الاجتماعات الدبلوماسية أو الكشف عن معلومات تفاوضية قد تضر بالمصالح الخارجية للمملكة.
فالعمل الدبلوماسي يحتاج بطبيعته إلى قدر من السرية والتحفظ، والقانون المغربي نفسه يضع حدوداً واضحة للحق في الوصول إلى بعض المعلومات.
وينص الفصل 27 من الدستور المغربي على حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، مع السماح بتقييد هذا الحق بالقانون لحماية الدفاع الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي ومجالات أخرى محددة.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – الفصل 27 من الدستور
ويذهب القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات إلى تفصيل أكبر. فالمادة السابعة تستثني، ضمن الحالات المقيدة، المعلومات التي يمكن أن يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بالعلاقات مع دولة أخرى أو منظمة دولية حكومية.
لكن وجود هذا الاستثناء لا يعني تلقائياً أن كل معلومة مرتبطة باجتماع دبلوماسي تصبح سرية بالكامل. فهناك فرق بين كشف تفاصيل حساسة أو مواقف تفاوضية محمية، وبين إصدار توضيح مؤسساتي عام يحدد، مثلاً، طبيعة اللقاء والموضوع الذي نوقش والخطوط الكبرى للموقف الرسمي من دون المساس بالمعلومات التي قد تضر بالعلاقات الخارجية.
وهذه بالضبط هي المساحة التي يفتحها لقاء 21 غشت بين المغرب وإسبانيا للنقاش: ما الحد الأدنى من المعلومة الذي يمكن تقديمه للمواطن من دون الإضرار بسرية العمل الدبلوماسي؟
وتظهر المفارقة بوضوح في الجانب الإسباني. فالنائب ألبرتو كاتالان هيغيراس استطاع تحويل الواقعة إلى خمسة أسئلة رسمية مسجلة داخل الكونغرس: كيف تمت الدعوة؟ أين جرى اللقاء؟ من شارك؟ ماذا أبلغت الحكومة الإسبانية ممثل المغرب؟ ولماذا لم يُعلن عن الاجتماع؟
ولا تعني هذه الأسئلة أن الحكومة الإسبانية ملزمة بالكشف عن كل التفاصيل، ولا أنها أجابت عنها بالفعل إلى حدود تاريخ نشر النشرة، لكنها تجعل الواقعة جزءاً موثقاً من مسار الرقابة البرلمانية.
وفي المغرب، يضيف الفصل 154 من الدستور بعداً آخر للنقاش، إذ ينص على خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
وهذه المبادئ لا تلغي الاستثناءات المرتبطة بأمن الدولة والعلاقات الخارجية، لكنها توفر أساساً دستورياً لنقاش مستوى التواصل المؤسساتي الممكن في الملفات التي أصبحت علنية.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – الفصل 154 من الدستور
وسبق لـMarocActu24 أن تناول تطبيق الحق في الحصول على المعلومات بالمغرب، بعدما أظهرت معطيات مرتبطة بهذا الورش استمرار فجوة بين وجود القانون وبين معرفة المواطنين بحقوقهم وكيفية استعمالها.
اقرأ أيضاً | قانون الحق في الحصول على المعلومات نافذ منذ 2020.. و20% فقط يعرفون حقوقهم
كما يأتي الجدل في سياق أوسع من التوتر السياسي المرتبط بسبتة ومليلية، بعدما انتقل الملف خلال الأسابيع الماضية إلى البرلمان الإسباني ووسائل الإعلام والمواجهة بين الحكومة والمعارضة.
اقرأ أيضاً | 40 وثيقة تفتح «الصندوق الأسود» لسبتة.. ورواية سانشيز تحت الاختبار
لذلك، لا يتعلق السؤال المطروح بنشر أسرار الدولة أو تحويل الاجتماعات الدبلوماسية إلى محاضر مفتوحة، بل بحدود التواصل المؤسساتي عندما تصبح الواقعة نفسها موضوعاً معلناً في حكومة وبرلمان دولة أخرى.
فالسرية الدبلوماسية تظل أداة مشروعة لحماية مصالح الدولة، والحق في المعلومة بدوره حق دستوري تحكمه استثناءات قانونية. وبين الاثنين توجد مساحة يمكن فيها تقديم رواية رسمية عامة لا تكشف أسراراً ولا تترك المواطن في الوقت نفسه معتمداً حصراً على ما يصدر عن مدريد.
وبذلك يصبح لقاء 21 غشت بين المغرب وإسبانيا أكثر من واقعة دبلوماسية مرتبطة بسبتة ومليلية؛ إنه أيضاً مثال عملي على سؤال أوسع يتعلق بمن يشرح للمواطن المغربي ما قيل باسم بلاده عندما تصبح تفاصيل القضية متداولة رسمياً خارج المغرب.
وإلى أن تظهر توضيحات إضافية، تبقى الوثيقة الإسبانية مؤكدة لخمسة أسئلة دخلت رسمياً إلى الكونغرس، بينما يظل مضمون الرد المغربي التفصيلي خلال اللقاء غير ظاهر في المصادر الرسمية المفتوحة التي تمت مراجعتها.

