اختبار جيني لسرطان المبيض بالمغرب يضع الطب الدقيق أمام معادلة مالية وتقنية معقدة، بعدما كشفت دراسة علمية مغربية جديدة أن كلفة فحص جزيئي متقدم للمساعدة في توجيه علاج سرطان المبيض تتجاوز 400 في المائة من الحد الأدنى الشهري للأجر، في وقت لم تتمكن فيه أكثر من ربع العينات التي شملها البحث من اجتياز مراقبة الجودة قبل الوصول إلى مرحلة التحليل.
الدراسة، المنشورة الاثنين 21 شتنبر 2026 في مجلة «Diagnostic Pathology» التابعة لـ«Springer Nature»، تابعت 215 مريضة مصابة بسرطان المبيض المصلي عالي الدرجة في مرحلة متقدمة، عولجن بالمعهد الوطني للأنكولوجيا بالرباط خلال الفترة الممتدة من مارس 2024 إلى مارس 2026.
الدراسة الأصلية | Diagnostic Pathology – Springer Nature
ولا يتعلق الأمر بفحص جيني ثانوي، بل باختبار «نقص إعادة التركيب المتماثل» المعروف اختصاراً بـHRD، وهو تحليل جزيئي يساعد على تحديد الخصائص البيولوجية للورم وتقييم إمكانية استفادة بعض المريضات من علاجات موجهة، خصوصاً مثبطات «PARP».
وبحسب الدراسة، فإن كلفة اختبار واحد تعادل نحو 37.1 في المائة من نصيب الفرد السنوي من الناتج الداخلي الخام في المغرب، كما تتجاوز 400 في المائة من الحد الأدنى الشهري للأجر.
وتعني المقارنة التي اعتمدها الباحثون أن كلفة فحص واحد تتجاوز أربعة أضعاف الحد الأدنى للأجر الشهري، وهو ما يضع مسألة تمويل الطب الدقيق وإمكانية تعميم الاختبارات الجزيئية المتقدمة ضمن التحديات التي قد تواجه إدماجها بصورة مستدامة في مسار علاج السرطان.
غير أن هذا الرقم لا يعني أن كل مريضة مغربية تدفع هذه الكلفة مباشرة من مالها الخاص. فالدراسة أُنجزت في إطار بحثي ومؤسساتي، كما أوضح الباحثون أن شركة «AstraZeneca» وفرت مستلزمات وقسائم خاصة باختبارات HRD مجاناً ضمن مبادرة دولية لولوج المرضى، فيما لم تشارك الجهة الداعمة، بحسب الورقة العلمية، في تصميم البحث أو جمع البيانات أو تحليلها أو تفسير النتائج.
اختبار جيني لسرطان المبيض.. 26.5% من العينات تتوقف قبل التحليل
المعطى الثاني اللافت يتعلق بجودة العينات قبل وصولها إلى الاختبار الجزيئي نفسه.
فمن أصل 215 عينة أُدرجت في الدراسة، لم تجتز 57 عينة مرحلة مراقبة الجودة السابقة للتحليل، أي ما يعادل 26.5 في المائة من مجموع الحالات.
وتكشف النتائج أن 40 من حالات الفشل، بما يمثل 70.2 في المائة منها، ارتبطت بتدهور الحمض النووي، بينما تعذر استعمال 17 عينة أخرى، بنسبة 29.8 في المائة من حالات الفشل، بسبب انخفاض كمية المادة الجينية المتاحة.
وربط الباحثون هذه الصعوبات بالتفاوت في ظروف التعامل مع الأنسجة قبل التحليل، إضافة إلى بعض الخزعات الصغيرة ذات المحتوى الورمي المنخفض أو العينات التي تحتوي على تليف واسع.
وتعيد هذه النتيجة طرح سؤال يتجاوز توفر جهاز التسلسل الجيني أو المختبر المتخصص إلى جودة السلسلة التشخيصية كاملة، بداية من أخذ العينة وحفظها ومعالجتها، وصولاً إلى استخراج الحمض النووي وإجراء التحليل.
وكان MarocActu24 قد تابع ملفاً صحياً آخر أظهر أهمية التشخيص الجزيئي داخل المستشفيات المغربية، بعدما حللت دراسة حديثة 2,645 حالة مشتبه فيها بالتهاب السحايا أو التهاب السحايا والدماغ بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط باستعمال تقنية تشخيص جزيئي متعددة.
اقرأ أيضاً | 2,645 حالة مشتبه فيها بالتهاب السحايا.. دراسة مغربية تكشف خريطة المسببات
وبعد استبعاد العينات التي لم تستوف شروط الجودة، بقيت 158 حالة قابلة للتقييم الجزيئي في دراسة سرطان المبيض.
وأظهرت النتائج أن 87 مريضة، أي 55.1 في المائة من الحالات القابلة للتقييم، سجلن نتيجة إيجابية لاختبار HRD.
ومن بين هذه الحالات الإيجابية، حملت 50 حالة، بنسبة 57.5 في المائة، طفرات في جيني BRCA1 أو BRCA2، بينما كانت 37 حالة، بنسبة 42.5 في المائة، إيجابية لاختبار HRD رغم عدم وجود طفرات في هذين الجينين.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية سريرية لأن اختبار HRD يتجاوز البحث عن طفرات BRCA وحدها، ويساعد على رصد أنماط أوسع من عدم الاستقرار الجيني يمكن أن تدخل ضمن العناصر التي يعتمد عليها الفريق الطبي عند تقييم الخيارات العلاجية المتاحة.
كما سجل الباحثون اختلافاً في انتشار HRD حسب العمر، إذ بلغت النسبة 69.4 في المائة لدى المريضات بين 50 و59 عاماً، قبل أن تنخفض إلى 32.1 في المائة لدى من يبلغن 70 عاماً فما فوق.
وبلغ متوسط المدة اللازمة للحصول على نتيجة الاختبار نحو ثلاثة أسابيع.
الدراسة لم تخلص إلى أن إجراء هذه الاختبارات الجزيئية المتقدمة غير ممكن في المغرب، بل اعتبرت أن تنفيذ اختبار HRD محلياً وبطريقة لا مركزية قابل للتطبيق سريرياً، وقد يقلل الاعتماد على إرسال العينات إلى مختبرات تجارية مركزية وما يرتبط بذلك من كلفة وتعقيدات لوجستيكية.
لكن الباحثين شددوا في المقابل على أن استدامة هذا النموذج تحتاج إلى تحسين جودة معالجة الأنسجة قبل التحليل وإجراء تقييمات اقتصادية رسمية تحدد كيفية تمويل الاختبارات وضمان الولوج إليها.
وتتقاطع هذه النتيجة مع تحدٍّ آخر سبق أن رصدته دراسة مغربية حول إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى المنظومة الصحية، بعدما تبين أن 80.2 في المائة من عينة تضم 480 مهنياً صحياً في مؤسسات عمومية بجهة مراكش آسفي لم يسبق لهم تلقي تكوين رسمي في الذكاء الاصطناعي، ما يعكس أن تحديث الرعاية الصحية لا يتوقف على اقتناء التكنولوجيا وحدها، بل يشمل أيضاً التكوين والتنظيم والبنية المؤسساتية المحيطة بها.
اقرأ أيضاً | 80.2% بلا تكوين في الذكاء الاصطناعي.. دراسة بمراكش آسفي تختبر جاهزية الصحة العمومية
وفي حالة سرطان المبيض، تبرز الدراسة أن الانتقال نحو الطب الشخصي لا يقتصر بدوره على شراء أجهزة التسلسل الجيني، لأن قيمة التكنولوجيا العلاجية تبدأ من جودة العينة وتستمر عبر المختبر والموارد البشرية والتمويل وانتهاء بقدرة المريضة على الوصول إلى الفحص في الوقت المناسب.
كما ينبغي قراءة النتائج ضمن حدودها العلمية. فالدراسة تخص 215 مريضة مصابة بنوع محدد من سرطان المبيض المتقدم وعولجن داخل مؤسسة مرجعية واحدة هي المعهد الوطني للأنكولوجيا بالرباط، ولذلك لا تمثل أرقامها إحصاءً وطنياً لجميع مريضات سرطان المبيض في المغرب.
ولا تسمح الدراسة كذلك بتحويل نسبة 26.5 في المائة إلى معدل فشل لجميع الاختبارات الجينية المنجزة بالمملكة، لأنها ترتبط بالعينات والظروف التي شملها هذا البحث تحديداً.
لكن الدراسة توفر معطيات ميدانية نادرة حول اختبار جيني لسرطان المبيض داخل مؤسسة مغربية، وتكشف في الوقت نفسه ثلاثة مستويات مترابطة من التحدي: إمكانية تنفيذ التحليل محلياً، جودة العينات قبل الاختبار، والكلفة الاقتصادية اللازمة لجعل التكنولوجيا قابلة للتعميم.
وبين 55.1 في المائة من الحالات القابلة للتقييم التي أظهرت نتيجة HRD إيجابية، و26.5 في المائة من العينات التي لم تجتز مراقبة الجودة، وكلفة الاختبار التي تتجاوز أربعة أضعاف الحد الأدنى الشهري للأجر وفق مقارنة الباحثين، يظهر أن السؤال المقبل لن يكون فقط ما إذا كان المغرب قادراً على إجراء هذا النوع من التحاليل، بل كيف يمكن ضمان وصول فائدته الفعلية إلى المريضة التي تحتاج إليه دون أن تصبح الكلفة أو جودة العينة حاجزاً قبل بداية العلاج الدقيق.
وأُنجزت الدراسة من طرف باحثين من قسم علم الأمراض وعلم الأمراض الجزيئي بالمعهد الوطني للأنكولوجيا بالرباط وكلية الطب والصيدلة بجامعة محمد الخامس، ونُشرت في نسخة علمية مبكرة قابلة للاستشهاد وتحمل معرفاً رقمياً دائماً، على أن تستبدلها المجلة لاحقاً بالنسخة النهائية بعد استكمال المعالجة التحريرية.

