أبناء المغاربة في برشلونة يوجدون في قلب دراسة أكاديمية جديدة وضعت تحت المجهر العلاقة المعقدة بين الهوية والاندماج والعنصرية، بعدما كشفت شهادات شباب ولدوا في إسبانيا أو وصلوا إليها في طفولتهم المبكرة أن مكان الولادة والجنسية وإتقان اللغة لا تكفي دائماً لحسم الشعور بالانتماء، في ظل نظرة اجتماعية قد تظل مرتبطة بالأصل المغربي والدين الإسلامي والصور النمطية المتداولة حول المهاجرين.
الدراسة، المنشورة يوم السبت 19 شتنبر 2026 في مجلة «Journal of International Migration and Integration» التابعة لـSpringer Nature، أنجزها الباحث Martí Manzano من جامعة برشلونة، وحملت عنوان «Identifications and Multiple Others: A Case Study of Descendants of Moroccan and Pakistani Migrants in Barcelona».
واعتمد البحث منهجاً نوعياً تابع 17 شاباً وشابة من أبناء عائلات مغربية وباكستانية يدرسون بالسنة الأخيرة من التعليم الإلزامي في مؤسستين عموميتين داخل حي في برشلونة يتميز بدرجات مرتفعة من الفصل السكني والمدرسي، مع الحفاظ على اسم الحي سرياً لحماية هوية المشاركين.
وضمت العينة ثمانية مشاركين من أصول مغربية وتسعة من أصول باكستانية، بينهم تسع فتيات وثمانية فتيان، فيما أنجز الباحث 49 مقابلة موزعة على ثلاث جولات، بعضها اعتمد تقنية الصور لتحفيز المشاركين على الحديث عن الأسرة والمدرسة والحي والدين والهوية والمستقبل.
المصدر العلمي الأصلي | Springer Nature
ومن أكثر الشهادات دلالة ما رواه شاب من أصل مغربي اختار لنفسه الاسم المستعار «Elboli»، بعدما سأله الباحث عما كان يمكن أن يختلف في حياته لو ولد داخل أسرة كتالونية من برشلونة، ليجيب بأن أحد الفوارق سيكون قدرته على السير في الشارع بهدوء من دون أن ينظر إليه الآخرون بطريقة سيئة.
وعندما سأله الباحث إن كان يعتبر الشارع أكثر عنصرية من المدرسة، أجاب بالإيجاب، موضحاً أن الناس في الشارع «ينظرون إليك بشكل سيئ ويضعون عليك علامة»، قبل أن يلخص الصورة النمطية التي يشعر بأنها تلاحق الشباب من أصله بالقول، وفق النص الإنجليزي المنشور في الدراسة: «If he’s “moro”, he’s a thief».
واللفظ الإسباني «moro» المستخدم في الشهادة يحمل في السياق الإسباني حمولة ازدرائية يمكن أن تستعمل للإشارة إلى المغاربة أو المغاربيين والمسلمين، ولذلك فإن صيغة «إذا كان مغربياً فهو لص» في العنوان تعكس المعنى الذي يناقشه الباحث في إطار ما يسميه الدراسة «التمييز المعادي للمورو» المرتبط خصوصاً بالذكور من أصل مغربي.
ولا تقدم الدراسة هذه العبارة باعتبارها حكماً عاماً عن الإسبان، بل باعتبارها شهادة فردية عن الطريقة التي يدرك بها أحد المشاركين نظرة المحيط إليه، غير أن الباحث رصد في المقابلات نمطاً أوسع يربط بعض الذكور من أصل مغربي بصور نمطية تتصل بالخطورة والجريمة، مقابل تجارب أخرى لدى فتيات مسلمات مرتبطة بالحجاب والتمييز المعادي للمسلمين.
أبناء المغاربة في برشلونة بين المدرسة والشارع
تكشف الدراسة مفارقة لافتة في تجارب أبناء المغاربة في برشلونة، إذ ظهرت المدرسة في شهادات عدد من المشاركين باعتبارها فضاءً أكثر ترحيباً وأقل حضوراً للتعبيرات العنصرية الصريحة مقارنة بالشارع.
غير أن الباحث يحذر من تحويل هذه النتيجة إلى دليل على خلو المؤسسات التعليمية من العنصرية، موضحاً أن التمييز المؤسساتي قد يعمل بأشكال أكثر تعقيداً وأقل ظهوراً، ولا يكون بالضرورة مدركاً بصورة مباشرة ممن يتعرضون له.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن بعض الفتيات المسلمات واجهن أحكاماً مسبقة مرتبطة بالحجاب، من بينها الاعتقاد بأن من ترتديه تكون مجبرة عليه أو خاضعة لسلطة شخص آخر، بينما أكدت إحدى المشاركات أن ارتداءها الحجاب نابع من اختيار شخصي.
كما تحدثت مشاركة أخرى عن مشاركتها في أمسية شعرية داخل المؤسسة التعليمية بقصيدة هدفت إلى مواجهة الربط النمطي بين الإسلام والإرهاب، في مثال يوضح كيف لا يكتفي بعض الشباب بتلقي الصور التي يفرضها المحيط، بل يحاولون أيضاً مقاومتها وإعادة تعريف صورتهم بأنفسهم.
ولا يقف تأثير هذه التجارب عند العلاقة مع الآخرين، إذ وجد الباحث أن بعض الشباب من أصول مهاجرة يشعرون بأن المجتمع قد يستمر في تصنيفهم وفق أصول أسرهم حتى عندما يكونون مولودين في إسبانيا ويحملون جنسيتها ويتحدثون الإسبانية والكتالونية.
وبحسب خصائص العينة المنشورة، كان جميع المشاركين تقريباً يحملون الجنسية الإسبانية باستثناء شخص واحد، كما كان جميعهم قادرين على التواصل بالإسبانية والكتالونية، وهو ما يجعل سؤال الانتماء في الدراسة مرتبطاً بنظرة المجتمع والعلاقات اليومية بقدر ارتباطه بالوضع القانوني أو اللغوي.
وتكشف الدراسة أيضاً وجهاً أكثر تعقيداً داخل الجاليات نفسها، بعدما سجل الباحث كيف يعيد بعض أبناء المهاجرين إنتاج الفصل بين صورة «المهاجر الجيد» و«المهاجر السيئ»، خصوصاً عند الحديث عن شباب مغاربة يوجدون في أوضاع هجرة غير نظامية أو وصلوا إلى إسبانيا من دون مرافقة أسرية.
ووردت في المقابلات مواقف قاسية تجاه من وصفهم بعض المشاركين بـ«الحراكة»، إذ ربطتهم إحدى المشاركات من أصل مغربي بالسرقة والمخدرات والعيش في الشارع، مقابل تقديم هجرة أسرتها باعتبارها قائمة على العمل والدراسة والسعي إلى بناء حياة مستقرة.
وكان MarocActu24 قد تابع في سياق متصل وضع القاصرين عقب أزمة سبتة، بعدما أعلنت مدريد في غشت الماضي تحديد هويات أكثر من 2900 قاصر ضمن تداعيات موجة العبور الجماعي، وهو ملف مختلف عن الدراسة لكنه يرتبط بالفئة التي تشير إليها الأدبيات البحثية بوصفها من أكثر الفئات تعرضاً للوصم والنقاش الإعلامي في إسبانيا.
اقرأ أيضاً | أزمة سبتة.. مدريد ترفع حصيلة القاصرين المحددة هوياتهم إلى أكثر من 2900
ويرى الباحث أن إعادة إنتاج هذه التمييزات لا يمكن تفسيرها فقط بتأثير الإعلام أو الخطابات العامة، بل تؤدي أيضاً وظيفة هوياتية لدى بعض الشباب، إذ تسمح لهم بوضع مسافة بينهم وبين الفئات الأكثر تعرضاً للوصم وتقديم أنفسهم باعتبارهم مندمجين وموجهين نحو الدراسة، في مفارقة تجعل أشخاصاً يتعرضون هم أنفسهم للتمييز يعيدون أحياناً إنتاج جزء من منطقه تجاه فئات أخرى قريبة منهم.
كما توقف البحث عند أثر الفصل السكني والمدرسي، معتبراً أن تجمع أبناء الأسر المهاجرة داخل أحياء ومؤسسات تعليمية بعينها لا يحدد فقط مكان إقامتهم أو دراستهم، بل يؤثر كذلك في فرص احتكاكهم اليومي بباقي مكونات المجتمع وفي الطريقة التي تتشكل بها الحدود بين «نحن» و«هم».
ويتقاطع الجدل حول صورة المغاربة داخل المجتمع الإسباني مع نقاش سياسي متصاعد حول الهجرة والعلاقة مع المغرب، إذ تابع MarocActu24 قبل يوم واحد فقط مبادرة لحزب «فوكس» طالبت بوقف منح التأشيرات للمغاربة إلى حين اعتراف الرباط بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وهي مبادرة حزبية لم تتحول إلى قرار حكومي نافذ.
اقرأ أيضاً | إسبانيا.. فوكس يطالب بوقف تأشيرات المغاربة
ولا تسمح طبيعة الدراسة بتعميم نتائجها على أبناء الجالية المغربية في برشلونة أو إسبانيا كلها، فالبحث نوعي ومحدود في 17 مشاركاً، بينهم ثمانية فقط من أصول مغربية، كما لم يكشف الباحث اسم الحي ولا السنة الدقيقة التي أجريت فيها المقابلات حفاظاً على السرية، موضحاً أن العمل أُنجز ضمن مسار دكتوراه امتد بين 2017 و2023.
وتكشف الدراسة أن أبناء المغاربة في برشلونة لا يواجهون سؤال الاندماج من زاوية الجنسية أو اللغة فقط، بل أيضاً من خلال الصور التي يرسمها المحيط الاجتماعي عنهم.
وتوضح شهادات البحث أن تجربة أبناء المغاربة في برشلونة قد تتأثر بنظرة الشارع وبالصور النمطية المرتبطة بالأصل والدين والهجرة، حتى لدى شباب نشأوا داخل المجتمع الإسباني ويحملون جنسيته.
ولا تعني الدراسة بالتالي أن عبارة «إذا كان مغربياً فهو لص» تمثل موقف المجتمع الإسباني عموماً، لكنها تقدم نافذة دقيقة على الطريقة التي يعيش بها بعض أبناء المغاربة في برشلونة مسألة الوصم والانتماء، وكيف يمكن أن تتداخل العنصرية والفصل الحضري والمدرسي مع بناء الهوية، إلى درجة أن يحمل الشاب الجنسية الإسبانية ويتحدث لغتي المجتمع الذي نشأ فيه، ومع ذلك يشعر في الشارع بأن أصله المغربي قد يسبقه في نظرة الآخرين إليه.

