قبل خمسة أيام من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وضعت الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية ملف المادة مباشرة أمام الأحزاب السياسية، من خلال مذكرة اقتراحية ومطلبية تتجاوز الدعوة العامة إلى «إعادة الاعتبار»، لتقدم 15 مطلباً استراتيجياً، مصحوبة بمؤشرات للإنجاز وآجال زمنية، وصولاً إلى خمسة التزامات تقترح على الحكومة المقبلة تنفيذها خلال المائة يوم الأولى من ولايتها.
الوثيقة، الصادرة بالرباط في شتنبر 2026، قُدمت إلى الأحزاب في سياق الاستحقاقات التشريعية، مع تأكيد الجمعية أنها تتحرك «دون اصطفاف أو انحياز حزبي»، وأن غايتها هي إدخال مطالبها ومقترحاتها ضمن البرامج الانتخابية، ثم تحويلها بعد الانتخابات إلى التزامات داخل البرنامج الحكومي والسياسات العمومية المرتبطة بالتربية والتكوين.
المصدر الرسمي | مذكرة اقتراحية مطلبية موجهة إلى الأحزاب السياسية
قراءة الوثيقة الأصلية تكشف أن الجمعية لا تطالب فقط بالحفاظ على الوضع الحالي للمادة، بل تقترح جعل النهوض بالتربية الإسلامية والتربية على القيم خياراً وطنياً ضمن السياسة التعليمية، وإدراجه ضمن الأولويات الاستراتيجية للإصلاح التربوي المقبل، مع إعداد خطة وطنية تحدد الأهداف والآجال والمسؤوليات ومؤشرات الإنجاز، وتقترح إقرارها خلال السنة الأولى من الولاية الحكومية.
التربية الإسلامية.. أربع حصص واستقلالية المادة ضمن 15 مطلباً
أحد أكثر المقترحات وضوحاً رقمياً يتعلق بالزمن المدرسي، إذ تطالب الجمعية بالرفع التدريجي للزمن المخصص للتربية الإسلامية وصولاً إلى أربع حصص أسبوعية حيث تسمح البنية الزمنية بذلك، إلى جانب مراجعة معامل المادة في مختلف المستويات والمسالك وعدم المساس بحصتها الزمنية في أي إصلاح تربوي مقبل.
وتقترح أيضاً منع استعمال حصص التربية الإسلامية لتعويض مواد أخرى، وربط تنفيذ مطلب الزمن والمعامل بصدور مذكرة تنظيمية أو نص قانوني أو تنظيمي يحدد الرفع التدريجي للحصص والمعامل.
وتضع المذكرة استقلالية التربية الإسلامية ضمن المطالب الأساسية، خصوصاً في سياق مؤسسات الريادة، عبر التنصيص الصريح على استقلاليتها واحترام خصوصية برمجتها وحصصها وتقويمها، وعدم إدماجها في أقطاب أخرى بما يمس، وفق صياغة الوثيقة، هويتها البيداغوجية.
وفي ملف المناهج، تدعو الجمعية إلى تقويم علمي وميداني شامل للمنهاج قبل أي مراجعة جوهرية، يشمل المضامين والكفايات والأهداف والمقاربات البيداغوجية والديداكتيك ومنظومة التقويم ومدى ملاءمة المنهاج لحاجات المتعلم والمجتمع، على أن ينتهي بإصدار تقرير وطني يعقبه مشروع مراجعة معلن ومؤطر زمنياً.
ولا تتوقف المطالب عند المناهج، إذ تقترح الوثيقة خطة وطنية متعددة السنوات لمعالجة الخصاص في أساتذة التربية الإسلامية وهيئة التأطير، تبدأ بتحديد الخصاص الحقيقي حسب الجهات والأقاليم وبرمجة مناصب كافية واحترام التخصص في الإسناد، مع معالجة الخصاص في التفتيش وتقوية التأطير والمواكبة.
ومن بين الملفات التي تعيدها المذكرة إلى الواجهة فتح مسلك للتبريز في التربية الإسلامية، وهو مطلب تصفه الجمعية بالمزمن، وتقترح أن يكون مؤشر إنجازه فتح أول فوج للتبريز خلال الولاية الحكومية المقبلة.
كما تطالب بتطوير البحث العلمي والديداكتيكي وإعادة الاعتبار إلى «التعليم الأصيل الجديد» عبر توسيع شبكته وتطوير مناهجه وتحسين جاذبيته وتعزيز آفاق خريجيه وربطه بالتعليم العالي.
وفي امتداد هذا التوجه، تطرح الوثيقة إدراج التربية الإسلامية في منظومة التكوين المهني وفق تصور بيداغوجي يراعي خصوصية المتعلم والمسلك، بالتوازي مع إطلاق استراتيجية وطنية للتربية على القيم تشمل المواطنة والمسؤولية والأمانة والإتقان والتضامن والاعتدال والحوار والتعايش ونبذ العنف والكراهية والتطرف.
وتقترح الجمعية كذلك إحداث أو تفعيل مرصد وطني للتربية على القيم يتولى رصد التحولات القيمية لدى المتعلمين، ودراسة مظاهر العنف والتنمر والكراهية، وتقويم أثر المناهج وإنتاج تقارير دورية وتقديم توصيات للسياسات العمومية، مع تحديد السنة الأولى من الولاية الحكومية موعداً مقترحاً لإحداثه وتركيبته العلمية.
ملف الرقمنة حاضر بدوره ضمن المطلب الخامس عشر، إذ تقترح الجمعية منصة وطنية للموارد الرقمية في التربية الإسلامية تضم موارد مرتبطة بالقرآن وعلومه والحديث والسيرة والعقيدة والفكر الإسلامي والفقه والقيم، إلى جانب موارد ديداكتيكية ودروس تفاعلية وتقويمات رقمية.
كما تدعو إلى إدماج الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة في تعليم المادة، مع إخضاع المحتوى لمراجعة علمية متخصصة.
وتربط الوثيقة هذا المقترح بتوصية رسمية أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في 8 يونيو 2026، تحت عنوان «من أجل اعتماد إطار وطني لتوجيه استعمال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي».
المصدر الرسمي | توصية المجلس الأعلى حول الذكاء الاصطناعي في التربية
وكان MarocActu24 قد تابع بدوره اتساع حضور أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الوسط الجامعي المغربي، من خلال العرض الذي أتاحته غوغل لفائدة طلبة مؤسسات التعليم العالي بالمغرب.
اقرأ أيضاً | غوغل تمنح طلبة المغرب سنة مجانية من Google AI Plus و400 جيغابايت وأدوات Gemini
غير أن الجزء الأكثر ارتباطاً بمرحلة ما بعد الانتخابات يظهر عندما تنتقل المذكرة من المطالب الاستراتيجية إلى خمسة التزامات عاجلة تقترح تنفيذها خلال أول مائة يوم من عمر الحكومة المقبلة: فتح حوار وطني حول مكانة التربية الإسلامية، وإحداث لجنة وطنية لتقويم وضعية المادة، وإصدار توجيه تنظيمي يؤكد استقلاليتها ويحمي حصصها الزمنية، وإطلاق ورش وطني لمراجعة المنهاج والأطر المرجعية بمشاركة أهل الاختصاص، ثم إعداد مخطط لسد الخصاص وفتح مسلك التبريز.
ولا تريد الجمعية، بحسب المذكرة، أن تكتفي الأحزاب بإعلان المساندة، بل تدعو إلى تحويل المطالب إلى التزامات انتخابية قابلة للتتبع والمساءلة، وتقترح أن يتضمن البرنامج الانتخابي تعهداً صريحاً بشأن موقع التربية الإسلامية وزمنها ومعاملها واستقلاليتها وتطوير مناهجها ومعالجة الخصاص في أطرها.
وتذهب الوثيقة خطوة أبعد عبر اقتراح «ميثاق الأحزاب المغربية للنهوض بالتربية الإسلامية والتربية على القيم»، يتضمن العمل على الرفع من الغلاف الزمني والمعامل، وضمان استقلالية المادة، ومراجعة المنهاج وفق مقاربة علمية وتشاركية، وإشراك أهل الاختصاص، واستكمال الأطر المرجعية، وضمان حضور المادة في التقويم والامتحانات الإشهادية ومعالجة الخصاص وفتح مسلك التبريز.
ويتضمن الميثاق أيضاً تطوير البحث العلمي والديداكتيكي، وإعادة الاعتبار إلى التعليم الأصيل، وإدراج التربية الإسلامية في التكوين المهني، وإطلاق استراتيجية وطنية للتربية على القيم، وإحداث مرصد وطني للقيم ودعم الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تدريس المادة، مع اقتراح جعل هذه الالتزامات جزءاً من البرنامج الحكومي في حال تحمل الحزب الموقع مسؤولية التدبير.
ويتقاطع هذا النقاش مع ملفات أوسع تخص المناهج والكتاب المدرسي وإصلاح منظومة التربية والتكوين، وهي ملفات سبق لـMarocActu24 أن تناول أحد جوانبها من خلال معطيات مجلس المنافسة حول سوق الكتاب المدرسي.
اقرأ أيضاً | 17 سنة من التحذير.. مجلس المنافسة وصف سوق الكتاب المدرسي بـ«الريع» و30 مليون نسخة لموسم واحد
وبذلك، لا تضع مذكرة شتنبر أمام الأحزاب مجرد ملف مهني مرتبط بمادة دراسية، بل حزمة محددة تضم 15 مطلباً استراتيجياً وخمسة التزامات لأول 100 يوم ومشروع ميثاق انتخابي، بما يجعل مواقف الأحزاب من التربية الإسلامية قابلة للمقارنة لاحقاً بما ستدرجه فعلياً في برامجها، ثم بما قد ينتقل من تلك الوعود إلى البرنامج الحكومي بعد الانتخابات.

