عبد اللطيف وهبي يعود إلى انتخابات تارودانت الشمالية بعد خمسة عشر عاماً من بداية مساره البرلماني عن الدائرة نفسها، لكن وزير العدل ورئيس المجلس الجماعي للمدينة يدخل هذه المرة الأيام الأخيرة من الحملة وسط جدل لا يتعلق فقط بحصيلته أو بالمشاريع التي يقول إنه ساهم في تعبئة تمويلاتها، وإنما أيضاً باللغة التي اختارها للرد على منتقديه.
فبين أول انتخاب له نائباً عن تارودانت الشمالية سنة 2011 واقتراع 23 شتنبر 2026، راكم وهبي حضوراً سياسياً طويلاً، وفاز بمقعد الدائرة في استحقاقات 2011 و2016 و2021، قبل أن يعود اليوم وكيلاً للائحة حزب الأصالة والمعاصرة باحثاً عن ولاية برلمانية جديدة.
المصدر الرسمي | مجلس النواب – عبد اللطيف وهبي، الولاية التشريعية 2011-2016
ويؤكد ملفه الرسمي بمجلس النواب أن وهبي كان نائباً عن دائرة تارودانت الشمالية خلال الولاية التشريعية 2011-2016، بينما أكدت معطيات ترشيحه لانتخابات 2026 أنه يسعى إلى الحفاظ على المقعد الذي سبق أن فاز به في استحقاقات 2011 و2016 و2021.
ترشيح وهبي لانتخابات 23 شتنبر 2026
غير أن وهبي يدخل هذا الاستحقاق على وقع مواجهة حادة مع منتقديه، بعدما أثارت تصريحات منسوبة إليه خلال الحملة نقاشاً حول استعماله وصف «السفهاء» في الرد على منتقدين، إلى جانب انتقاده أشخاصاً يثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي أسئلة بشأن حضوره في المدينة وتدبيره لشؤونها.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد سجال لغوي عابر، لأن وهبي لا يخاطب خصوماً سياسيين فقط، بل يخوض حملة انتخابية وسط مواطنين سيحتاج إلى أصواتهم يوم 23 شتنبر.
عبد اللطيف وهبي بين حصيلة تارودانت وحق الناخب في الانتقاد
المفارقة السياسية تبدأ من موقع عبد اللطيف وهبي نفسه. فهو وزير للعدل منذ أكتوبر 2021، ورئيس للمجلس الجماعي لتارودانت منذ شتنبر من السنة نفسها، وعضو بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ومرشح الحزب حالياً بدائرة تارودانت الشمالية.
وكان وهبي قد انتُخب رئيساً للمجلس الجماعي لتارودانت في 18 شتنبر 2021 بعد حصوله على 19 صوتاً من أصل 31، مقابل 12 صوتاً لمنافسته زينب الخياطي.
المصدر | انتخاب عبد اللطيف وهبي رئيساً لجماعة تارودانت
هذه المسؤوليات تجعل مساءلته عن الحضور والحصيلة أمراً مرتبطاً مباشرة بالوظائف الانتدابية والتنفيذية التي يشغلها، وليس مجرد خصومة شخصية بين سياسي ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.
فالناخب الذي ينتقد رئيس جماعته على «فيسبوك» أو من داخل مقهى يظل ناخباً ومواطناً، ومكان كتابة الانتقاد لا يغير طبيعته ولا يلغي حق صاحبه في السؤال عن حصيلة المسؤول المنتخب.
وكان الجدل حول حضور وهبي في تدبير شؤون الجماعة قد ظهر قبل الحملة الحالية بسنوات. ففي ماي 2023، نشرت جريدة «الأخبار» مادة تحدثت فيها عن انتقادات للمعارضة داخل مجلس تارودانت، وأشارت إلى تخلف وهبي عن ثماني دورات للمجلس آنذاك.
ويظل ذلك معطى مرتبطاً بتلك المرحلة ولا يكفي، منفرداً، للحكم على حصيلة الولاية بكاملها.
المصدر | انتقادات المعارضة داخل مجلس جماعة تارودانت سنة 2023
في المقابل، يدافع وهبي عن حصيلته بمنطق مختلف. فهو يعتبر أن وظيفة رئيس الجماعة لا تختزل في الحضور اليومي داخل المدينة، وإنما تشمل التفاوض مع القطاعات الحكومية والمؤسسات من أجل جلب الاعتمادات والمشاريع.
وفي حديث صحافي نُشر في غشت 2026، قال وهبي إن مسار الدراسات والمفاوضات والاتصالات مع القطاعات الحكومية استغرق نحو أربع سنوات، وإنه أفضى، بحسب عرضه للحصيلة، إلى اتفاقيات ومشاريع تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 300 مليار سنتيم بمساهمة قطاعات ومؤسسات متعددة.
المصدر | وهبي يعرض حصيلة مشاريع يقول إن قيمتها تناهز 300 مليار سنتيم
لكن رقم 300 مليار سنتيم يحتاج إلى وضعه في سياقه الدقيق: فهو ليس، وفق المعطيات المتاحة، مبلغاً دفعته جماعة تارودانت من ميزانيتها أو تمويلاً شخصياً جلبه مسؤول واحد، وإنما قيمة إجمالية معلنة لبرامج ومشاريع واتفاقيات تشارك في تمويلها قطاعات حكومية ومؤسسات ومجالس وشركاء عموميون.
كما سبق أن أثارت طريقة تقديم هذا الرقم نقاشاً محلياً، إذ شككت تغطيات صحفية في إمكانية نسب القيمة الإجمالية لهذه المشاريع إلى وهبي وحده، في غياب وثيقة مالية موحدة تسمح بحسم تفاصيل المبلغ ومصادر كل مساهمة على حدة.
وقبل أيام من الجدل الحالي، استعمل وهبي خطاباً مشابهاً في الدفاع عن طريقته في الترافع عن المنطقة، ففي 9 شتنبر، قال خلال كلمة بإقليم تارودانت إن «الحياة معركة»، معتبراً أن الحصول على الاستثمارات والأموال لفائدة المنطقة يتطلب «القتال» داخل الحكومة.
المصدر | «الحياة معركة».. وهبي يتحدث عن الترافع لجلب الاستثمارات لتارودانت
ومن المشاريع التي يمكن التحقق من أرقامها بشكل مستقل المقر الجديد للمحكمة الابتدائية بتارودانت، الذي دُشن في 4 شتنبر 2026، وأقيم على قطعة أرضية مساحتها 26 ألفاً و25 متراً مربعاً، بمساحة مغطاة تبلغ 12 ألفاً و51 متراً مربعاً، فيما بلغت كلفته الإجمالية المعلنة نحو 140 مليون درهم، أي ما يقارب 14 مليار سنتيم.
المصدر | تدشين المقر الجديد للمحكمة الابتدائية بتارودانت
غير أن وجود مشاريع واستثمارات قابلة للتوثيق لا يلغي حق السكان في مساءلة رئيس المجلس الجماعي عن الحضور والتدبير والأولويات والتنفيذ، تماماً كما أن توجيه الانتقادات عبر مواقع التواصل لا يجعلها صحيحة تلقائياً ولا يعفي أصحابها من مسؤولية الدقة.
وهنا تكمن النقطة السياسية الأثقل في الجدل: المسؤول المنتخب يملك حق الرد وتقديم حصيلته وتفنيد ما يعتبره ادعاءات غير صحيحة، لكن المواطن يحتفظ في المقابل بحقه في مساءلته وانتقاد أدائه.
وكان MarocActu24 قد تابع قبل أيام حدة المنافسة في تارودانت الشمالية، بعدما دخل وكيل لائحة التجمع الوطني للأحرار لحسن السعدي بدوره في سجال انتخابي أثار نقاشاً حول حدود اللغة المستخدمة بين المتنافسين.
اقرأ أيضاً | تصريحات السعدي عن «الفرماج الفاسد» تعيد المادة 51 مكررة للواجهة
كما سبق للموقع أن تابع مواجهة أخرى مرتبطة بعبد اللطيف وهبي، هذه المرة بصفته وزيراً للعدل، بعد اتهامات وجهها محامون إلى الوزارة بشأن ترميز الرقم المهني للمحامين، وهي اتهامات جرى تقديمها باعتبارها موقفاً لأصحابها لا حكماً قضائياً يثبت وجود مخالفة.
اقرأ أيضاً | خلاف جديد بين وهبي ومحامين حول ترميز الرقم المهني
أما في تارودانت، فإن الحكم السياسي النهائي لن يصدر عن مواقع التواصل ولا عن التجمعات الخطابية، وإنما عن صناديق الاقتراع.
فعبد اللطيف وهبي الذي بدأ تجربته البرلمانية عن تارودانت الشمالية سنة 2011 يعود بعد خمسة عشر عاماً إلى الدائرة نفسها طالباً تجديد الثقة، في انتخابات يخوضها هذه المرة وهو يحمل في الوقت نفسه حصيلة وزير للعدل ورئيس مجلس جماعي ونائب برلماني.
ولهذا قد تصبح كلمة «السفهاء»، إذا تأكد سياقها كما نُقلت خلال الحملة، أكثر من مجرد عبارة عابرة. فالناخب الذي ينتقد اليوم هو نفسه الذي سيُطلب منه يوم 23 شتنبر أن يختار بين وهبي ومنافسيه.
وقبل أيام من فتح صناديق الاقتراع، قد لا يكون السؤال الأهم أين يجلس منتقدو عبد اللطيف وهبي عندما يكتبون عنه، وإنما ماذا سيكتب هؤلاء أنفسهم على ورقة التصويت خلف الستار.
وبين أول فوز سنة 2011 واقتراع 2026، يواجه عبد اللطيف وهبي اختباراً انتخابياً جديداً سيحدد ما إذا كان سيواصل مساره البرلماني المرتبط بتارودانت الشمالية، أم أن صناديق 23 شتنبر ستكتب فصلاً مختلفاً بعد خمسة عشر عاماً.


