بقلم: نعيم بوسلهام
من «كلنا إسرائيليون» إلى دعم البام.. هل أصبح الموقف من إسرائيل جزءاً من معركة رئاسة الحكومة؟
قبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر، نقل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، المواجهة الانتخابية مع حزب الأصالة والمعاصرة إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما جعل من علاقة الحزب بالإعلامي والناشر أحمد الشرعي مدخلاً لطرح سؤال سياسي يتعلق بموقف «البام» وقيادته من إسرائيل والتطبيع.
في مهرجان خطابي بتارودانت، يوم السبت 19 شتنبر، استحضر بنكيران مقالاً سابقاً للشرعي حمل عنوان «كلنا إسرائيليون»، وربط بين صاحبه وبين إعلان مجموعته الإعلامية تفضيلها المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، ثم خاطب فاطمة الزهراء المنصوري مطالباً إياها باتخاذ مسافة من الشرعي، ومعتبراً أن عدم تبرؤها منه قد يجعله، وفق تعبيره، «يفهم أنها مرشحة إسرائيل» لرئاسة الحكومة.
المصدر | حزب العدالة والتنمية – تصريحات بنكيران في تارودانت
ولم يكن استحضار مقال «كلنا إسرائيليون» اعتباطياً. فالشرعي نشر المقال في أكتوبر 2023 على موقع «The Jerusalem Strategic Tribune»، وقدم فيه قراءة مؤيدة لإسرائيل عقب هجوم 7 أكتوبر، ودافع عن اتفاقات أبراهام وعن استمرار التقارب العربي الإسرائيلي.
بهذا المعنى، لم يطلق بنكيران اتهامه في فراغ، وإنما أقام بناءً سياسياً محدداً: شخص معروف بموقف معلن تجاه إسرائيل يعلن لاحقاً تفضيله مشروع حزب سياسي مغربي، فهل يمكن أن يظل هذا الدعم منفصلاً تماماً عن مواقفه السياسية والفكرية؟
المقال الأصلي | Ahmed Charai – WE ARE ALL ISRAELIS
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي وضعه بنكيران على الطاولة.
لكن السؤال السياسي لا ينهي الجدل، بل يفتحه.
بنكيران والبام.. إسرائيل تدخل قلب المعركة الانتخابية
فالمنصوري ردت برفض تحميلها أو تحميل حزبها مسؤولية مواقف الآخرين، مؤكدة أن موقف «البام» من القضية الفلسطينية معروف من خلال بياناته ومواقفه الرسمية.
وهذا الرد ينقل النقاش بدوره إلى مستوى أكثر تحديداً: هل دعم ناشر أو مجموعة إعلامية لحزب يعني بالضرورة أن الحزب يتبنى مواقف صاحبها من إسرائيل؟ أم أن لكل طرف مواقفه المستقلة؟
رد فاطمة الزهراء المنصوري على بنكيران
وتزداد أهمية النقاش بعد افتتاحية نشرها الشرعي يوم 17 شتنبر تحت عنوان «Le choix de la modernité»، أعلن فيها بصورة صريحة أن مجموعته تفضل المشروع الذي يحمله حزب الأصالة والمعاصرة، وتحدث عن أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن أن يمثل إشارة سياسية قوية، من دون أن يسمي فاطمة الزهراء المنصوري بالاسم داخل المقال.
وهذا التفصيل مهم، لأن ما هو ثابت في الوثيقة الأصلية هو إعلان التفضيل السياسي للبام والدفاع عن احتمال قيادة امرأة للحكومة، أما الانتقال من ذلك إلى اعتبار المنصوري بالاسم صاحبة الدعم المقصود فهو استنتاج سياسي تبناه بنكيران في خطابه الانتخابي.
أحمد الشرعي | LE CHOIX DE LA MODERNITÉ
فبنكيران لا يناقش مجرد مقال قديم للشرعي، وإنما يناقش دلالات انتقال صاحب ذلك الموقف إلى إعلان دعم سياسي وإعلامي لحزب تقوده المنصوري.
ومن هذه الزاوية يصبح توقيت التصعيد مهماً: نحن أمام حملة انتخابية في أيامها الأخيرة، وأمام تنافس على من سيقود الحكومة المقبلة، وبالتالي فإن استحضار إسرائيل وفلسطين لا يمكن فصله عن الصراع على صورة المرشح أمام الناخب.
لكن في المقابل، لا يمكن منطقياً مساواة دعم شخص لحزب بتبني الحزب تلقائياً لكل مواقفه، لذلك فإن النقاش الحقيقي لا يتعلق فقط بما قاله بنكيران، بل أيضاً بمدى وضوح المسافة بين مواقف الشرعي الشخصية والمواقف الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة.
والمسألة هنا ليست تقنية ولا هامشية. فحين يقول بنكيران إن المنصوري قد تكون «مرشحة إسرائيل»، فإنه لا يوجه مجرد انتقاد انتخابي، بل يضع منافسته السياسية أمام اتهام شديد الحساسية، ويحول موقفها من ناشر إعلامي إلى اختبار سياسي أمام الناخبين.
وفي المقابل، فإن رفض المنصوري تحمل مسؤولية مواقف الآخرين يقدم جواباً مباشراً على الاتهام الشخصي، لكنه يترك مفتوحاً النقاش السياسي الأوسع حول حدود العلاقة بين الأحزاب والجهات الإعلامية التي تعلن تفضيلها لها.
وسبق لـMarocActu24 أن تناول موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل السباق الانتخابي من زاوية أخرى، من خلال انتقال فوزي لقجع إلى واجهة الحزب وتركه مستقبل ما بعد انتخابات 23 شتنبر مفتوحاً «أياً كانت الوظيفة»، في وقت يسعى فيه البام إلى تصدر النتائج.
اقرأ أيضاً | لقجع يفتح أوراقه لـ«Jeune Afrique»: «مضاعفة المداخيل» تحت اختبار الخزينة ورئاسة الحكومة معلّقة إلى ما بعد 23 شتنبر
وهنا تحديداً تصبح القضية أكبر من مجرد مشادة انتخابية.
ففلسطين وإسرائيل والتطبيع ملفات حاضرة بقوة في النقاش السياسي المغربي، كما أن توظيفها في الأيام الأخيرة من الحملة يمنحها بعداً انتخابياً إضافياً.
ومن حق العدالة والتنمية أن يعرض موقفه من التطبيع، ومن حق البام أن يقدم موقفه المضاد، لكن التمييز يظل ضرورياً بين موقف الحزب الرسمي، وموقف الشخص الداعم له، والاستنتاج السياسي الذي يبنيه الخصم على العلاقة بينهما.
المفارقة أن بنكيران، وهو يهاجم ما يسميه «الصهيونية» داخل المشهد السياسي المغربي، يعيد القضية الفلسطينية إلى قلب المنافسة الانتخابية، ولكن هذه المرة ليس بوصفها ملفاً من ملفات السياسة الخارجية، وإنما باعتبارها جزءاً من تعريف الخصم السياسي وموقعه داخل الخريطة الانتخابية.
كما أن المواجهة تأتي في سياق أوسع يحاول فيه البام تقديم نفسه كقوة تريد «تغيير المسار»، رغم مشاركته في الحكومة المنتهية ولايتها، وهو التناقض الذي سبق أن ظهر بوضوح في تصريحات فوزي لقجع حول صعوبة «قفة الأسرة» وانتقاد المسار الحكومي الذي ما يزال جزءاً منه.
اقرأ أيضاً | من «نتائج اجتماعية باهرة» إلى «قفة صعيبة».. لقجع ينتقد مسار حكومة يشغل فيها منصب وزير الميزانية
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية:
هل نحن أمام مجرد دعم إعلامي وانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، أم أمام تقاطع سياسي وفكري أوسع مع خطاب يدافع عن إسرائيل؟
هذا السؤال لا تجيب عنه الشعارات الانتخابية وحدها، وإنما مواقف الأطراف نفسها، ووثائقها، وتصريحاتها، وحدود العلاقات التي يمكن إثباتها فعلياً.
وفي جميع الأحوال، فقد نجح بنكيران في نقل المعركة الانتخابية من سؤال البرامج والحصيلة إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بفلسطين وإسرائيل والتطبيع.
وبذلك يتحول سجال بنكيران والبام من مواجهة انتخابية عابرة إلى نقاش أوسع حول إسرائيل والتطبيع وحدود العلاقات السياسية والإعلامية.
وبذلك تصبح القضية اختباراً مضاعفاً: اختباراً لبنكيران في مدى قدرته على الفصل بين الاتهام الانتخابي والوقائع القابلة للإثبات، واختباراً للبام في مدى وضوح موقفه السياسي من الجهات التي أعلنت صراحة تفضيل مشروعه.
والناخب وحده سيقرر ما إذا كانت هذه الورقة ستبقى جزءاً من سجال الأيام الأخيرة للحملة، أم ستتحول إلى سؤال سياسي أعمق حول اتجاهات الأحزاب المغربية وحدود علاقاتها ومواقفها من إسرائيل والتطبيع.

