حي المحيط بالرباط انتزع المرتبة الثانية ضمن قائمة أروع 40 حياً في العالم لسنة 2026، وفق التصنيف الذي نشرته مجلة «Time Out» البريطانية يوم الأربعاء 16 شتنبر، ليأتي مباشرة خلف حي «جونغنو 3-غا» في سيول، ويتقدم على «نيوس كوزموس» في أثينا و«تشاينا تاون» في لوس أنجلوس.
ولا يتعلق ترتيب حي المحيط بالرباط بمؤشر رسمي أو دراسة إحصائية صادرة عن مؤسسة حكومية، بل باختيار تحريري بدأ بترشيحات قدمتها شبكة عالمية من الخبراء المحليين، قبل أن تراجع لجنة من محرري المجلة الأحياء المقترحة وفق معايير تشمل المطاعم والمقاهي والحياة الليلية والمشاريع المستقلة وقابلية العيش وروح المجتمع.
« المصدر الرئيسي | تصنيف Time Out لأروع 40 حياً في العالم سنة 2026″
واستند اختيار «المحيط» إلى الحياة اليومية التي يصنعها السكان أكثر من استناده إلى المشاريع الكبرى أو المباني الفاخرة، إذ توقفت المجلة عند الواجهة المطلة على المحيط الأطلسي وشواطئها وملاعبها الرياضية، والعمارات المنخفضة التي تقطنها العائلات والمهنيون الشباب، والجداريات المنتشرة على الجدران، إلى جانب المقاهي والمتاجر والمبادرات الثقافية المستقلة.
ورسمت المجلة مساراً يمتد بمحاذاة الواجهة الساحلية من المدينة العتيقة إلى قصر تاريخي يعود إلى القرن الثامن عشر وتحول إلى فندق «فور سيزونز»، كما سلطت الضوء على زنقة أبيدجان وزنقة زنجبار وشارع بروكسيل الذي أصبح فضاءً للمشاة يحتضن مقاهي ومراكز ثقافية، إضافة إلى المتحف الوطني للتصوير ومنارة الرباط وعدد من المطاعم والمحلات الصغيرة.
ويتقاطع هذا التتويج مع دراسة علمية حديثة تابعها MarocActu24 وضعت عمالة الرباط في المركز الأول بين 75 عمالة وإقليماً وفق مؤشر مركب للتنمية المستدامة، مع ضرورة الفصل بين ذلك المؤشر الأكاديمي وبين تصنيف «Time Out» القائم على اختيار تحريري.
اقرأ أيضاً | الرباط والدار البيضاء في القمة.. دراسة تصنف 75 عمالة وإقليماً بالمغرب
حي المحيط بالرباط بين التتويج والهدم
غير أن تتويج حي المحيط بالرباط يصل في لحظة حساسة، بعدما أقرت «Time Out» نفسها بأن واجهته البحرية تخضع لعملية إعادة تهيئة حضرية واسعة، وهو ما ينقل النقاش من القيمة السياحية للتصنيف إلى مستقبل الهوية الشعبية والعمرانية التي منحت الحي جاذبيته.
وذكرت صحيفة «El País» الإسبانية، في تحقيق نشرته يوم 6 يونيو 2026، أن مئات المساكن تعرضت للهدم في الرباط، وأن أجزاء واسعة من الواجهة البحرية لحي «المحيط» هُدمت كلياً أو جزئياً ضمن توجه يرمي إلى تحويل الطريق الساحلية إلى كورنيش عصري ومناطق سكنية وتجارية وسياحية.
وأضاف التحقيق أن أول مرسوم للمنفعة العامة يرتبط بنزع ملكية مساكن في المنطقة نُشر خلال شهر مارس، كما نقل انتقادات صادرة عن المعارضة بشأن شفافية العملية وقيمة التعويضات والحلول المقترحة لإعادة إسكان الفئات المتضررة، وهي معطيات تظل منسوبة إلى الصحيفة ومصادرها.
« تحقيق El País | الأحياء المركزية في المغرب تدفع ثمن التحديث »
ولا يمثل ما أوردته الصحيفة حكماً قضائياً على سلامة إجراءات نزع الملكية أو تعويض المتضررين، كما لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بالتفاصيل النهائية للمشروع، لكنها تضع التتويج العالمي أمام سؤال مشروع بشأن قدرة التهيئة الجديدة على حماية السكان والذاكرة العمرانية للمكان.
ولا ينبغي الخلط بين إعادة الإسكان والتعويضات المرتبطة بإجراءات نزع الملكية وبين برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن، لأن لكل واحد منهما إطاراً قانونياً ومالياً مختلفاً، وقد تابع MarocActu24 تعديل الحكومة للمرسوم المنظم لإعانتي 100 ألف و70 ألف درهم من دون إعلان تغيير قيمتهما.
اقرأ أيضاً | دعم السكن.. الحكومة تعدّل المرسوم و100 ألف و70 ألف درهم بلا تغيير معلن
المفارقة أن العناصر التي رفعت «المحيط» إلى المرتبة الثانية عالمياً لا تقتصر على البحر أو الفنادق المصنفة، بل تشمل العائلات المقيمة والمحلات المستقلة والأزقة الحية والفنون الجدارية والعلاقات الاجتماعية، ولذلك قد يؤدي تغيير هذه العناصر من دون إشراك السكان إلى إضعاف الأسباب نفسها التي دفعت المجلة إلى الاحتفاء بالحي.
ويمنح تصنيف حي المحيط بالرباط العاصمة فرصة سياحية وثقافية مهمة، لكنه يضع السلطات والمنتخبين والفاعلين العقاريين أمام مسؤولية حماية ذاكرة المنطقة وضمان شفافية مساطر نزع الملكية والتعويض وإعادة الإسكان، لأن نجاح التهيئة لا يقاس بجمال الواجهة البحرية الجديدة وحده، بل أيضاً بقدرة أبناء «المحيط» على الاستمرار في العيش داخل الحي الذي صنعوا روحه وأوصلوه إلى المرتبة الثانية عالمياً.


