خطاب المرشحين للانتخابات التشريعية دخل دائرة انتقاد حاد من الكاتب والباحث عبد الفتاح الحيداوي، رئيس تحرير موقع «رصد المغرب»، بعدما اعتبر أن جزءاً من الخطاب المتداول خلال الحملة يختزل السياسة في وعود محلية وخدمات يومية، بدل تقديم تصورات واضحة حول التشريع ومراقبة الحكومة والسياسات العمومية.
والحيداوي كاتب وباحث تنشر له عدة منابر دراسات ومقالات تتناول قضايا سياسية وحقوقية، إلى جانب أبحاث مرتبطة بالحركات الإسلامية والسلفية الجهادية .
اقرأ أيضاً | رصد المغرب
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، انتقد الحيداوي الطريقة التي يتوجه بها بعض المرشحين إلى الناخبين، معتبراً أن الانتخابات التشريعية تحولت، في جزء من خطابها، إلى منافسة حول إنارة الشوارع وإصلاح الأزقة والتدخل لقضاء المصالح، بدل مناقشة الأدوار التي يفترض أن يمارسها النائب داخل المؤسسة التشريعية.
وقال الحيداوي إن «المواطن ليس مجرد بطن يجب إطعامه في يوم الاقتراع»، منتقداً اختزال العلاقة بين المرشح والناخب في وعود مرتبطة بالخدمات أو القدرة الشرائية، بينما يفترض أن تكون الانتخابات أيضاً مناسبة لمناقشة الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية.
واستحضر، في هذا السياق، مدينة سلا وبعض أحيائها، من بينها حي السلام، معتبراً أن خطاب بعض المرشحين يوحي أحياناً وكأن المنافسة تتعلق برئاسة جماعة ترابية، لا بالفوز بمقعد داخل مجلس النواب.
وتساءل عن معنى أن يعد مرشح للبرلمان المواطنين بإصلاح حفرة أو تعبيد زنقة أو إدخال الإنارة، في الوقت الذي ترتبط فيه الوظيفة الدستورية للبرلمان أساساً بالتشريع ومراقبة الحكومة وتقييم السياسات العمومية.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بقراءة سياسية من صاحب التدوينة، إذ ينص الفصل 70 من الدستور المغربي على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية.
المصدر الرسمي | دستور المملكة المغربية – الفصل 70
خطاب المرشحين ووظيفة البرلمان
وشدد الحيداوي على أن المشكلة ليست في مطالبة السكان بالطرق والإنارة والنظافة وتحسين الخدمات، باعتبارها مطالب مشروعة، وإنما في الخلط بين مستويات المسؤولية والاختصاص، عندما يقدم مرشح لمجلس النواب نفسه باعتباره المسؤول المباشر عن معالجة كل التفاصيل المحلية.
وبحسب منطقه، يصبح الخلل أكبر عندما يعد المرشح الناخبين بـ«التدخل» لحل ملفات فردية أو قضاء مصالح إدارية، بدل أن يشرح لهم ما الذي يستطيع فعله فعلاً داخل البرلمان، وما الذي يقع خارج صلاحياته.
وذهب الحيداوي إلى التمييز بين من «دخل السياسة» ومن «دخل الانتخابات»، معتبراً أن السياسي، حتى وإن كان حديث التجربة، ينبغي أن يحمل رؤية وموقفاً، وأن يكون قادراً على شرح اختياره الحزبي والدفاع عن برنامجه ومناقشة ملفات الاقتصاد والتعليم والصحة والعدالة والحريات والديمقراطية.
أما تقديم خطاب المرشحين في صورة عبارات من قبيل «غادي ندخل ليكم الضو» أو «غادي نصلح ليكم الزنقة» أو «غادي نتدخل ليكم فهاد المشكل»، فيحوّل المرشح، وفق انتقاده، من شخص يطلب تفويضاً سياسياً وتشريعياً إلى وسيط لقضاء الخدمات.
وتساءل بسخرية: «هل نحن أمام انتخابات تشريعية أم مباراة في تدبير الأحياء؟».
ويرى الحيداوي أن هذا النوع من خطاب المرشحين يكشف ضعفاً في التمييز، على مستوى الممارسة الانتخابية، بين الانتخابات الجماعية والانتخابات التشريعية، في حين يفترض أن يناقش مرشح البرلمان مع الناخبين القوانين والسياسات الحكومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.
وطرح سلسلة أسئلة اعتبرها أقرب إلى جوهر المهمة البرلمانية: من سيراقب الحكومة؟ ومن سيناقش السياسات العمومية؟ ومن سيسائل المسؤولين عن التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية؟ ومن سيناقش القوانين التي ستنظم حياة المواطنين؟
كما انتقد اختزال المواطن في وضعه المادي فقط، قائلاً إن من السهل أن يعد المرشح برفع الأجور أو خفض الأسعار أو معالجة المشاكل الاجتماعية، غير أن السياسة، بحسب رؤيته، لا ينبغي أن تتحول إلى «مزاد للوعود».
وفي واحدة من أبرز عبارات التدوينة، كتب: «المواطن ليس مجرد بطن يجب إطعامه في يوم الاقتراع، ولا جيباً يجب إقناعه بزيادة في الأجر».
وأضاف أن حقوق المواطن في الشغل والسكن والصحة والتعليم لا تلغي حقوقه السياسية والمدنية، ولا حقه في معرفة موقف المرشح من الحريات والديمقراطية والمساءلة والعدالة وتكافؤ الفرص.
ويأتي هذا النقاش وسط حملة انتخابية واسعة، إذ أظهرت الحصيلة المؤقتة المنشورة بشأن انتخابات 2026 إيداع 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحاً، مع عودة 227 عضواً من مجلس النواب الحالي والمستشارين إلى سباق الغرفة الأولى.
اقرأ أيضاً | لائحة الأحرار الغائبة سقطت بفاس.. 227 برلمانياً يعودون والنساء على رأس 7.5% فقط من اللوائح
واعتبر الحيداوي أن الأحزاب، رغم اختلاف ألوانها ورموزها، قد تتحول في بعض الدوائر إلى نسخ متشابهة عندما تصبح لغة الحملة قائمة أساساً على «الخدمة» و«التدخل» و«حل المشاكل»، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة باستقلالية المنتخب وموقفه السياسي وقدرته على التشريع ومراقبة الحكومة.
ووصف هذا الوضع بأنه من أكثر أوجه الانتخابات إثارة للاستفزاز، لأن الإشكال، بحسبه، لا يقتصر على ضعف المرشح سياسياً، وإنما يصل إلى تقديم شخص نفسه ممثلاً للأمة دون أن يكون قادراً على شرح طبيعة العمل الذي سيتولاه داخل البرلمان.
وسبق لـMarocActu24 أن تابع بدوره النقاش حول سلوك المرشحين والحياة الحزبية خلال الحملة الحالية، بعدما هاجم محمد نبيل بنعبد الله ما وصفه بـ«البيع والشراء والمسخ السياسي» المرتبط بترحال المنتخبين والمرشحين، ودعا الناخبين إلى استعمال أصواتهم للمحاسبة السياسية.
اقرأ أيضاً | «بيع وشراء ومسخ سياسي».. بنعبد الله يهاجم ترحال المرشحين ويدعو إلى «تصويت عقابي»
وحذّر الحيداوي من أن يصبح هذا النموذج ثقافة انتخابية مستقرة، فيتحول سؤال الناخب من «ما برنامجك وموقفك؟» إلى «ماذا ستفعل لي شخصياً؟»، ويتحول النائب بدوره من ممثل للأمة إلى وسيط بين المواطنين والإدارة.
وبحسب هذه القراءة، فإن الخطر لا يتعلق فقط بصورة المرشح، وإنما بوظيفة الحزب أيضاً، عندما ينتقل من فضاء لتكوين السياسيين وتأطير المواطنين إلى مجرد آلة لإنتاج مرشحين كلما اقترب موعد الاقتراع.
ومن هنا طرح الحيداوي سؤاله المباشر: «أين السياسيون؟»، متسائلاً عن المرشحين القادرين على مناقشة مستقبل المغرب والسياسات العمومية والمؤسسات، بدل حصر خطابهم في الزنقة والحفرة والإنارة.
وفي ختام تدوينته، دعا المواطنين إلى عدم حصر التصويت في اللون الحزبي أو الرمز أو حجم الوعود، بل إلى سؤال المرشح عن معرفته بالبرلمان وحدود صلاحياته ومواقفه من الملفات السياسية والاجتماعية والحقوقية.
واقترح ثلاثة أسئلة مباشرة يمكن توجيهها لأي مرشح: «ماذا تعرف عن البرلمان؟ ما الذي تستطيع فعله فعلاً؟ وما الذي لا تستطيع فعله؟».
وانتهى إلى خلاصة تلخص انتقاده الكامل لخطاب المرشحين: المغرب، بحسب رأيه، لا يحتاج فقط إلى أشخاص ينجحون في الانتخابات، وإنما إلى سياسيين؛ لأن الفارق هو «الفرق بين شخص يريد مقعداً في البرلمان، وشخص يريد أن يمارس السياسة».

