أعاد تقرير مجلس المنافسة حول سوق الغازوال والبنزين في المغرب ملف المحروقات إلى الواجهة، ليس من زاوية الأسعار وحدها، بل من زاوية أعمق ترتبط ببنية السوق، قدرات التخزين، وزن الشركات الكبرى، ومدى انعكاس المنافسة على المستهلك.

التقرير، المتعلق بتتبع تنفيذ التعهدات المرتبطة باتفاقات الصلح المبرمة مع شركات توزيع الغازوال والبنزين بالجملة، أظهر أن واردات المغرب من الغازوال والبنزين بلغت خلال سنة 2025 نحو 6,9 ملايين طن، بقيمة إجمالية وصلت إلى 47,1 مليار درهم.

ووفق المعطيات المنشورة، ارتفعت الكميات المستوردة بنسبة 6,7 في المائة مقارنة بسنة 2024، في الوقت الذي تراجعت فيه قيمة الواردات بنسبة 9,1 في المائة، بعدما انتقلت من 51,82 مليار درهم إلى 47,1 مليار درهم.

هذا المعطى يفتح سؤالاً اقتصادياً وسياسياً في الوقت نفسه: حين ترتفع الكميات المستوردة وتنخفض القيمة الإجمالية بفعل تراجع الأسعار الدولية، إلى أي حد ينعكس ذلك على السعر النهائي الذي يؤديه المواطن والمهنيون داخل محطات الوقود؟.

التقرير أشار أيضاً إلى أن مبيعات الشركات التسع المعنية بلغت حوالي 7,45 مليارات لتر من الغازوال والبنزين خلال سنة 2025، مقابل 7,32 مليارات لتر سنة 2024، أي بزيادة بلغت 1,8 في المائة.

لكن رقم معاملات هذه الشركات تراجع بنسبة 8,9 في المائة ليستقر عند 70,4 مليار درهم، ما يعكس تراجعاً في القيمة المالية للمبيعات رغم ارتفاع الحجم، بسبب انخفاض أسعار البيع مقارنة بالسنة السابقة.

الأكثر حساسية في التقرير يتعلق بقدرات التخزين. فقد ارتفع عدد الشركات المرخص لها باستيراد المنتجات البترولية السائلة من 31 شركة نهاية 2024 إلى 35 شركة نهاية 2025، كما ارتفع عدد الموزعين الحاصلين على تراخيص مؤقتة من 35 إلى 39 فاعلاً.

غير أن هذا الانفتاح العددي لم يواكبه تطور قوي في البنية التحتية للتخزين. فقد لم ترتفع القدرات التخزينية الوطنية سوى بنسبة 0,5 في المائة، لتصل إلى 1,57 مليون طن بنهاية 2025، مقابل 1,56 مليون طن قبل سنة.

وتظل الشركات التسع الكبرى ممسكة بطاقة تخزينية إجمالية بلغت 1,27 مليون طن، دون أي زيادة مقارنة بعام 2024، وهو ما يمثل حوالي 81 في المائة من إجمالي الطاقة التخزينية الوطنية.

هنا تكمن عقدة السوق. فدخول فاعلين جدد إلى الاستيراد والتوزيع قد يبدو مؤشراً إيجابياً على الورق، لكنه يفقد جزءاً من أثره إذا بقي التخزين، وهو الحلقة الاستراتيجية في سلسلة المحروقات، متمركزاً لدى عدد محدود من الشركات.

اقتصادياً، لا يمكن الحديث عن منافسة كاملة في سوق لا يملك فيه كل الفاعلين شروط الولوج نفسها إلى التخزين والتموين والقدرة التفاوضية. وسياسياً، يضع التقرير الحكومة أمام سؤال واضح: هل يكفي تتبع التعهدات، أم أن السوق يحتاج إلى إصلاح أعمق يضمن الأمن الطاقي وحماية المستهلك في آن واحد؟.

المحروقات ليست سلعة عادية في المغرب. فهي تدخل في النقل، الفلاحة، الصناعة، الأسعار اليومية، وكلفة المعيشة. لذلك فإن أي خلل في سوقها لا يبقى داخل دفاتر الشركات، بل ينتقل بسرعة إلى جيوب المواطنين والمقاولات الصغرى والمهنيين.

تقرير مجلس المنافسة لا يقدم حكماً سياسياً، لكنه يوفر معطيات كافية لإعادة النقاش إلى جوهره: تحرير السوق لا ينبغي أن يعني تركه لقواعد القوة وحدها، بل يستدعي منافسة فعلية، شفافية في الهوامش، واستثماراً جدياً في التخزين باعتباره جزءاً من السيادة الطاقية الوطنية.

Share.
Leave A Reply

Exit mobile version